بلاد الطعام .. تأريخ وهوية
قرية " المحربه " قصة النار الأغريقيه وثلاث سنوات من الحصار العثماني .
تحقيق وتوثيق وعرض/
الصحفي فؤاد الفتاح
المحامي خالد الناصر
الاستاذ علي الناصر
قرية المحربة واحدة من قرى عزلة بني شرعب في مديريه بلاد الطعام محافظه ريمه حاليا ولواء صنعاء سابقا.
المكان والنشأة :
تقع على قمة ربوة جبليه وكأنها ملك يتربع على كرسي العرش في مملكته يشرف على بلاط قصره يراقب الوافد والمغادر والمنتظم والبعيد والقريب والصديق والعدو.
وقرية "المحربه" ظاهرةً للمشاهد من الجهات الاربع،تتبعها عدة محلات إداريا وهي "ذاري الاحكوم واليصحين من جهة الشمال وقرية الزبير من جهه الشرق وغربا قريه صهافه وجنوبا القرية الأثرية المسمى "رضوه"-.
وتتميز تلك القريه بموقعها الإستراتيجي حيث تشرف على جميع الطرق القادمة اليها بشكل واضح، ليتسنى للسكان معرفة من يكون القادم اليها وتحركاته حتى يتمكن الاهالي من اخذ جميع الاحتياطات والاستعداد اذا كان القادم اليها غازيا او معتديا أو ضيفا أو زائرا، فيتم تجهيز اللازم من إستقبال الضيف وكرم الضيافه التي متعارف عليها عند قبائل اليمن، وذلك بعد تلقي البلاغ أو الإشاره من الرقابات التابعه للقريه.
فترة ماقبل الغزو العثماني
كان سكان تلك القريه قبل الغزو العثماني الاول الى اليمن1535م إي في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، وحتى منتصف القرن السادس عشر الميلادي لهم مكانه كبيره وسلطه ونفوذ ويعيشون في غاية الكمال والقوة.
وقد كان لهم من الثروه والمال كماً هائلا يفي لكل متطلبات الحياة من مأكل ومشرب وملبس وإستقرار والواضح جلياً ما يدل على ذلك هو البناء الشامخ في تلك القريه الفريده والمتميزه، وما يتمتعون به سكانها من الفراسة واخذهم لجميع وسائل الحيطة والحذر من تقلبات الدهر كون تلك العصور قد بلغت من الاظطرابات والحروب والبطش ذروتها فقد كان جل إهتمام سكان القرية بناء الحصون والموانع والحمايه.
ونظرا لموقعها المكاتب كان السكان يقومون بنقل الاحجار من مسافه بعيدة بالأسفل منها وهي عبارة عن أحجار جيريه يتم نحتها باشكال هندسية وفنيه رائعه وفقا للنمط المعماري في بناء المباني والتي تصل في الغالب الى خمسة طوابق، وكذلك قيامهم ببناء سور عملاق يحيط بالقريه من جميع الإتجاهات أشبه بسور صنعاء القديمة، حيث يوجد في بوابتين الاولى من جهه الغرب، والثانيه من جهه الشرق، وذلك من اجل تحصين انفسهم وممتلكاتهم ومدخراتهم وثروتهم الحيوانية ومخازن الذرة وغيرها.
البناء الأمني والاقتصادي
لعل خصوصية البناء الخاصة بالسور من حيث التصميم الهندسي الي تشير الي وجود فتحات ذات طابع امني قديم، وذلك من اجل صد جميع الهجمات المعاديه التي كانت تستهدف القرية بين حين وآخر، بغية الحفاظ على ما لدى السكان من مخزون من الاموال والممتلكات والحبوب التي كانوا يضعونها في المخازن الأرضيه (المدافن)، اضافة الى التقنية المعمارية المتمثلة في بناء علامات على البيوت وهي عباره عن فتحات تدخل منها أشعه الشمس ترشدهم إلى حساب المنازل الشمسية والقمرية بدقة عالية لمتابعة مواسم الزراعة وكان ذلك سر من أسرار سكان القرية.
لقد اهتم الاهالي في تلك الحقبة وذلك العصر بالبناء والتشييد وحفر البرك او سدود حفظ مياه الامطار باعتبارها احد المصادر الرئيسية للحياة والتي تشتهر وتتميز بها مديرية بلاد الطعام إلى اليوم بشكل كبير لتجميع مياه الامطار والحفاظ عليها.
لعل ما يدل على اهتمامهم بالزراعه هو كثرة مدافن الحبوب التي تفوق الثلاثمائه مدفن ونيف تتوزع على كافة جوانب القريه ومداخلها، كما توجد بأسفل المنازل من الداخل والذي لا يخلو منها أي منزل.
وكذلك اهتمامهم ببناء الرقابات والمساكن على خطوط الهجوم المحتمله وكان يسكن فيها مايسمى بـ(الحامي) او المراقب ومهمته عرقلة المهاجم اليها وارسال البلاغ الى تلك المملكة الحصينه حتى يتسنى للجميع إلاعداد وتجهيز خط الدفاع والمقاومه والاستعداد للمواجهه، لان في تلك الحقبه كانت الأوضاع غير مستقره.
تخزين النار الأغريقيه
حيث كانت الأئمه تتصارع في شمال اليمن وجنوبها، وكانت البرتغال قد أفرغت سفنها العسكرية بالموانئ اليمنيه وتحديدا في جنوب اليمن وبعض موانئ الحديده، تمهيدا لإحتلالها وكانت الدوله الاسلاميه قد انهارت وتقسمت الى عدة دويلات، مما جعل الشعوب الإسلاميه غير معتمدة عليها بتوفير الحمايه، بل قامت بحماية نفسها بنفسها وأخذ التدابير اللازمه.
كانت قريه " المحربة " محاطة بعدة انساق قتاليه، وكذلك تم تجهيز أوكار لإصطياد الأعداء يتم من خلالها التمويه للعدو وإستدراجه وتشتيت انتباهه وقدراته، وأكثر ما كانت تلك الرقابات والاوكار على ضفاف الاوديه المحاذيه وهو وادي "أبوبكر "الواقع شمالا، ووادي "الجوار" الواقع جنوبا، ويقابل تلك الاوكار من الاعلى رقابات ثانويه أشبه بمواقع وثكنات عسكريه تعتبر بوابات تفتيش يقع على عاتقها التحقق من الوافدين وصد اي هجوم، وهو ما جعلها تتعرض لحملات امنية عديدة و تخوض معارك كبيرة، بإعتبارها صمام أمان الجهة الشرقية لمدخل مركز مديرية بلاد الطعام.
ولم يكن إهتمام السكان بالزراعة في تلك الحقبة فحسب، بل كان اهتمامهم ايظا بشراء الاسلحه من السيوف والخناجر والخيول والجمال، حيث ظهر في ذلك العصر ما يسمى بالنار الأغريقيه وهو (البارود) المستورد من الهند وقد عمد الاهالي إلى إستيراده وتخزينه في تلك القريه.
وبحسب ما يرويه كبار السن إلى جانب ماتم الحصول عليه من الوثائق "البصائر" القديمة أنه ونتيجة للمخزون الكبير لمادة البارود والذي كان يتم بيعها وتزويد الجبهات بها، فقد كانت قرية "المحربة "او ما تسمى بـ "المحرقة " هدفا رئيسيا للنيل منها، وانه خلال الغزوات المتعاقبه عليها وحصارها وخلال اقتحامها وحدوث اشتباكات ومقاومة استمرت لعدة أيام فقد ساعد البارود العثمانيين الذين كانوا يتخذون من قرية " جداجد " مقرا لاقامتهم وهي احدى القرى التابعة للمديرية وفيها توجد " صخرة المكتوب " وعليها كتابات قدبمة منحوته على الصخرة تم تسجيلها وترجمتها وتسجيلها من قبل بعثة من الهيئة العامة للاثار، حيث ساعدة مادة البارود على إحتراق القريه عند اقتحامها، والتي لا تزال آثارها إلى اليوم وفقا لما يؤكده سكان القرية.
الحياة الدينية " الصوفية "
لعل من أبرز الشواهد والطقوس الدينية التي لا تزال قائمة حتي اليوم، والمتمثلة في ممارسة الصوفية والايمان بالروحانيات هو ما تحكيه العديد من (الاضرحه) من خلال بناء صغير بارتفاع متر بشكل هندسي فريد، وقد جُعل منها مزارات دينية يتوافد اليها الزوار من اقطار الارض والتبرك بها والذبح عند مقامات تلك الاضرحة.
حيث كانت الزيارة لتلك الاضرحة في ايام محدده، وما يسُاق اليها من الحبوب والمواشي والسمن والعسل لتلك القبور وكانت تُعطى لأهل القريه بصفتهم الأقارب لأولئك الأولياء وما يحضون به من كرامة الأولياء.
كما تختلف اشكال وحجم تلك القبور من قبر الى اخر كلٌ على حسب المكانه والكرامه التي تخيم على معتقدات الزوار، اضافة إلى وجود (قبه) كبيره يوجد بداخلها ضريحين محفور على بابها الخشبي كتابات ونقوش وتأريخ لم نستطع قراءته ولازال موجودا حتي اليوم.
وبالنسبة لطبيعة البناء الخاص بالقبة فقد أتخذ من الخارج الشكل السداسي لإثنتي عشر زاويه، لديها باب يقع من جهة الغرب وشبه نافذه تقع من جهة القبله، والشكل من الداخل مربع الشكل من الاسفل، بينما النصف العلوي منها دائري الشكل وبطريقة هندسية في غاية الدقة والاتقان.
اعلان النفير ومقاومة العثمانيين
عندما وصل العثمانيون خلال الغزو الاول لليمن وصلو الى المديريه عام 1592م والتي كانت قد خضعت لهم جميع القرى واستسلمت لهم ولحكمهم واذعنت بعد مقاومة بائت بالفشل ، الا أن تلك القريه المشهوره بقرية (عيسى) أقفلت الابواب ونصبت الاوكار، واعلنت النفير وجهزت كل اصناف المقاومه، ولم تكن تعلم انها بداية كتابة فصلها الأخير وطوي صفحة تأريخ حافل بالعطاء والسلام والراحة، فقررت المواجهه، وارتفعت حدة التوتر والتراشق بالنبال والمنجنيقات، وكانت الحرب كر وفر غير مباليين بما هو ماثل أمامهم، لانهم يمتلكون الماء والغذاء في الداخل ومتحصنين خلف الاسوار وقد تم وضع الخطط العسكريه، فكان يتم التسلل بالليل من قبل المقاتلين في تلك القريه الى اوساط جيش الغزاه العثمانيين، وتمثلت مهمة البعض باخذ الاخبار حتى يكون لديهم المزيد من اليقظه، ومهمة البعض الاخر الإنتقام منهم بالقتل.
وحين علم الباشا العثماني المتمركز في زبيد ويسمى مركز القياده زاد غضبه، فأمر الجيش باستخدام جميع الوسائل والطرق لدخول ذلك الحصن مهما كانت الخسائر، الا انها كانت دون جدوى.
الحصار و التمركز في "جبل الطاعة "
ولم يجدو حيلة الا الاستعانه ببعض مشائخ القرى المجاوره لمعرفة ما هي الوسيله الأنسب لإخضاعهم فأشارو عليهم بالحصار لانهم يعتمدون على الزراعه فإذا نفذ ما هو مخزون لديهم سوف يتم استسلامهم وتسليم القلعه، وبالفعل كانت خطة ناجحه تيممت بتراب الخيانه من جيرانهم، فتم محاصرة تلك القريه اكثر منذ ثلاث سنين حتى ما إن كان منهم وخشية للعار الا أن قامو بدفن النساء احياء خشية أن يقعن في الاسر او فريسه وسبايا بإيدي العدو ويتم بيعهن جواري في السوق المشهور وهي مدينة العبيد( حاليا مدينة الشرق).
ونظرا لقساوة المرحلة واستخدام العنف فقد كان للنساء رأي مختلف، وحفاظا على عفتهن فقد فضلن ان يتم وأدهن في تلك المدافن بعد نفاذ الحبوب منها لشدة المجاعه وحجم الكارثه التي نزلت بهم فما كان من العدو الا. ان قصف القرية بالمنجنيق الحارق من قبل وحدات الجند المعتديه المتمركزه في جبل الطاعه.
وفي السنه الرابعه من الحصار لم يتبق الا بعض الرجال المنهكين بعد ان تم دفن النساء ومات الاطفال من شدة الجوع او البعض قد هزلت اجسامهم من الجوع لشدة ما لاقوه من حصار مطبق ، فتم وصول جيش الاحتلال العثماني الى الاسوار وتم أقتحامها وفتح البوابات ودخل اليها منتقمين كقطيع من الكلاب، فتم إعدام جميع من تبقى بداخلها بأمر من الوالي العثماني علي بك باشا الذي كان يقطن في زبيد وتم احراق البيوت وهدمها فأصبحت أشباح وأطلال وركام من الدخان والرماد وتم هدم السور واحراق مابها من كتب ومخطوطات ومصاحف واقتلاع الاشجار لتطوى بذلك تأريخ أمة عاشت حره عزيزة غير آبهه بالموت أو أي عواقب تنتظرها إمتد مجدها وعزها وشموخها لمئات السنين.
وصول الفاتح " الناصر لدين الله "
بعد ذلك ظلت تلك القريه تئن على تلك الحاله لما حل بها ولن تستطيع النهوض حتى وصل اليها السيد الفاتح ناصر المستضعفين سعيد بن عبدالله بن احمد بن القاسم بن محمد بن القاسم الملقب بـ الناصر لدين الله "رحمه الله " في منتصف القرن السابع عشر ليمسح الغبار عن وجهها، فأعاد البناء والتشييد وبناء المدرجات من جديد وزراعتها وإحياءها وقد جذب بعض الاسر التي كانت قد فرت بعيدا واستجارت بقرى أخرى، خوفا ان يحل بها ما حل بأبناء تلك القريه فأرجعهم لمجاورته واعطاهم جزء من الاراضي ليزرعونها، ليبزغ فجر جديد لتلك القريه التي لا زال البناء فيها شامخ الى حد الان.
قرية الرماد ...الارتباط بالشواهد
لعل ما هو معروف ان اسم تلك القريه الذي يطلق عليها "المحربه" يعود إلى شده الحرب فيها، واما ما يسمى بـ "المحرقه" او قرية "الرماد" ماهي الا مسميات ارتبطت بالشواهد الظاهرة فيها الى اليوم، لما حل بها من محرقة شبيهة بواقعة الاخدود بنجران، وما خلفته تلك الكارثه من رماد وركام.
حيث إنه عندما يتم الحفر من اربعه الى خمسه أمتار تجد بقايا الأطلال من أساسات لمباني، وكذلك مباني بأكملها سجدت ظلما وقهرا عند احتراقها فلم تعد تستطيع النهوض مجددا فضلت ساجده حتى يومنا هذا ولذلك تسكن القرية اسرة ال الناصر التي تحتفظ بتأريخها وأصوليتها وتتوارث سمات الكرم والجود والعطاء والعراقة الممتدة من جذور التأريخ.
تدوين وتنسيق
الكاتب/عادل علي عبدة الكردسي